الحاجة وطنية مبروك – 61 سنة – الزقازيق
كلمة من القلب قبل أي شيء
أنا لستُ معتادةً على هذا النوع من الكلام، ولا على أن أضع نفسي في موضع من تطلب شيئاً. طوال حياتي كنتُ أنا من تُعطي، أنا من تصبر، أنا من تُكمل. لكن اليوم، وبعد تفكير طويل وصادق مع نفسي، قررتُ أن أتكلم. ليس من باب الحاجة المادية، فأنا والحمد لله مستورة وعندي ما يكفيني. لكن من باب شيء آخر أصعب بكثير من المال، من باب الوحدة.
اسمي وطنية مبروك، عمري واحد وستون سنة، من الزقازيق في محافظة الشرقية، وهذه كلمتي لمن يريد أن يسمع.
فصل أُغلق، وحياة مضت
تزوجتُ مرةً في حياتي، وعشتُ تلك الحياة الزوجية بكل ما أوتيتُ من صبر وعطاء. لم أكن يوماً من النساء اللواتي يتشكّين أو يُعلِّن همومهن على الملأ، لكن الحقيقة أن تلك العلاقة انتهت، وانتهت بالفقد لا بالاختيار. فقدتُ زوجي وأصبحتُ أرملة، وهو قدرٌ كتبه الله، وأنا أرضى بقضائه وأُسلّم أمري له.
ما جعل الأمر أثقل، هو أن الله لم يرزقني بأولاد. في البداية كان هذا يُحزنني كثيراً، وكنتُ أتساءل لماذا. لكن مع الوقت تعلّمتُ أن لكل شيء حكمة، وأن الله لا يأخذ إلا ليُعطي بشكل آخر. اليوم أنظر إلى حياتي وأرى امرأةً عاشت، وعملت، وأعطت، وصبرت، وتستحق أن تجد من يُكمل معها ما تبقّى.
بعد المعاش، تغيّر كل شيء
كنتُ أعمل طوال سنوات عمري، والشغل كان يملأ وقتي ويُعطيني شعوراً بالهدف والانتماء. لكن بعد أن خرجتُ على المعاش، تبدّلت الأمور تبدّلاً كبيراً. اليوم أصبح طويلاً بشكل لم أكن أتوقعه، والبيت بات ساكتاً بصورة لا تُطاق أحياناً.
أنا أسكن في شقتي في الزقازيق، والحمد لله لا أحتاج أحداً يُعيلني أو يتكفّل بي. لكن هناك فرقاً كبيراً بين الاستغناء المادي والاكتفاء الروحي. المال موجود، والصحة بخير، والبيت مفتوح. لكن ما يغيب هو الصوت، هو الحديث، هو أن تُصبح صباحاً وتجد أحداً يسألك كيف أنتِ. هذا ما أبحث عنه اليوم، وأنا لا أستحي من قوله.
قررتُ أن أبدأ من جديد
ليس من السهل أن تقف امرأة في عمري وتقول: أنا أريد أن أتزوج مرة أخرى. المجتمع أحياناً يجعلك تشعرين بأن هذا الحق مقصور على الصغار، أو على من لم يُجرّبوا الحياة بعد. لكنني لا أؤمن بهذا. الإنسان يظل إنساناً في حاجة إلى الأنس والدفء في كل مراحل عمره، وهذا ليس ضعفاً، بل هو فطرة فطرنا الله عليها.
قررتُ أن أفتح صفحة جديدة، ليس لأنني نسيتُ ما مضى، بل لأنني تصالحتُ معه. من فقد يعرف قيمة الوجود، ومن عاش وحيداً يعرف معنى الرفقة الطيبة. أنا امرأة ناضجة، هادئة، ومستقرة، ولا أحمل في قلبي سوى الرغبة في أن تكون بقية العمر أجمل مما مضى.
من أبحث عنه
لا أطلب الكمال، لأن الكمال لله وحده. ما أطلبه هو رجل طيب القلب، يخاف الله ويُعامل الناس باحترام. رجل جاد في نيّته، يُريد حقاً أن يبني حياة هادئة ومستقرة، لا أن يملأ وقت فراغه أو يبحث عن تسلية.
لا يهمّني عمره كثيراً، ولا يهمّني إن كان متزوجاً من قبل أو عنده أولاد. الأولاد نعمة، وأنا لن أكون يوماً عائقاً أمام علاقة الأب بأبنائه، بل أستطيع أن أكون بجانبه في ذلك بكل رحابة صدر. المهم في نظري هو الصدق والنية الحسنة، فإذا كانت النية طيبة فكل شيء يُمكن أن يُبنى عليها.
أما الجانب المادي فهو آخر ما يشغل بالي. أنا لا أحتاج أحداً ينفق عليّ أو يُغيّر حياتي من الناحية المادية. أنا أحتاج أنيساً، حديثاً، ودفئاً إنسانياً حقيقياً. رجلٌ يحترمني وأحترمه، نجلس معاً في هدوء ونُكمل ما تبقّى من العمر بقلوب مرتاحة.
كلمتي الأخيرة
لو قرأتَ هذه الكلمات ووجدتَ في نفسك شيئاً يُشبه ما كتبتُه، فلا تتردد. الحياة أقصر من أن نُضيّع وقتنا في الخوف من الكلام. أنا امرأة واضحة، ما تراه هو ما أنا عليه، ولا أُحسن غير الصدق.
أسأل الله أن يرزقنا جميعاً ما يُسعدنا ويُريحنا، وأن يجعل ما تبقّى من أعمارنا أياماً فيها البركة والسكينة والرفقة الطيبة.

